ابن عربي
107
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ثم قال : المطلعات من الجيوب أهلّة * لا تلقينّ « 1 » مع التمام كواسفا المنشئات من الدموع سحائبا * المسمعات من الزّفير قواصفا كنّى بالجيوب عن الحجب والملابس التي هي النعوت العلوية المقدسة وقوله : « أهلة » يشير إلى تجلي أفقي مطلوب ، وقوله : لا يعتري تلك الأهلة كسوف أي لم يبق لها شهوة طبيعية تحكم عليها فتحجبها عن المناظر العلى لأنّ سبب كسوف الهلال إنما هو ظل الأرض في ترتيب نشأة العالم ، وإن كان الكسوف سببه التجلي الإلهي فيخشع فيظهر ذلك الخشوع عليه فيسمى كسوفا ، ذكر النسائي « 2 » في مسنده أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الكسوف فقال : « ما تجلى اللّه لشيء إلا خشع له » « 3 » فنبه بالمعنى الحاصل في القمر ، والشمس عند هذا السبب الوضعي في سباحتهما في الأفلاك ، كما قدرها سبحانه ، كما قال : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) [ يس : 39 ] فلا يتناقض ما يعطيه الخبر وما ذكره علماء هذا الشأن من الأسباب في ذلك ، وقوله : المنشئات من الدموع سحائبا . . . البيت بكماله يشير إلى أثرها في المكلفين بها المهيمين فيها المحبين لها ، إلى أنّ هذه حالاتهم . ثم قال : يا صاحبي ! بمهجتي خمصانة * أسدت إليّ أياديا وعوارفا نظمت نظام الشّمل ، فهي نظامنا * عربية عجماء تلهي العارفا يقول هذا العارف : إنّ هذه المعارف التي وصفها هيمتني منها معرفة واحدة لطيفة برزخية ، ولهذا جعلها خمصانة ، يقول : إنها أوقفني حصولها على معرفة ذاتي بذاتي لربي ولذاتي ، فجمعتني عليّ وجمعتني بربي فانتظم شملي بنظمها فهي عربية بي مني ، وعجماء فيما عرفتني من ربي لأنّ المعرفة الإلهية إجمالية لا يمكن فيها تفصيل إلا بتشبيه والتشبيه محال فالتفصيل محال فكما لا تشبيه كذلك لا تفصيل ، وإذا انتفى التفصيل فلا إجمال ، وإنما يذكر الإجمال توسعة في الخطاب لفهم السامع إذ العبارات
--> ( 1 ) في نسخة أخرى : لا تلفين . ( 2 ) هو أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار ( 215 - 303 ه - 830 - 915 م ) أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن ، القاضي الحافظ ، شيخ الإسلام . أصله من نسا وجال في البلاد واستوطن مصر ، فحسده مشايخها ، فخرج إلى الرملة بفلسطين ، فسئل عن فضائل معاوية ، فأمسك عنه فضربوه في الجامع وأخرج عليلا فمات ودفن ببيت المقدس . وقيل : خرج حاجا فمات بمكة . له « السنن الكبرى » في الحديث . و « المجتبى » وهو السنن الصغرى ، وله « الضعفاء والمتروكون » وغير ذلك . الأعلام 1 / 171 ، وابن خلكان 1 / 21 ، والبداية والنهاية 11 / 123 ، وتذكرة الحفاظ 2 / 241 . ( 3 ) أخرجه النسائي ( كسوف 16 ) ، وابن ماجة ( إقامة 152 ) .